السيد علي الموسوي القزويني
43
ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام
ولا الاستشفاء به ، ويؤيّده إطلاق قوله تعالى : « قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما » « 1 » بناءً على أن يكون المراد من منافع الخمر ما يعمّ منفعة التداوي من البرء والشفاء ، فقوله : « إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما » يعني به أنّ التداوي بالخمر مع حصول النفع به إثم وهو لشدّة عقوباته الاخرويّة أو لعظم مفاسده الدنيويّة أكبر من النفع الحاصل به . الثاني : أن تكون الأخبار المذكورة مسوقة لبيان أنّ الفائدة المطلوبة من التداوي لا تحصل به أبداً ، وما يرى في بعض الأحيان من مصادفة التداوي به لحصول البرء والشفاء فإنّما هو لضرب من المقارنة الاتّفاقيّة من غير مدخليّة وتأثير له فيه ، فيكون فعله اثماً صرفاً خالياً عن الفائدة المطلوبة ، وربّما يشير إليه قوله عليه السلام في قصّة امّ خالد : « فإنّما تندمين . . . » الخ ، وفي نسبة القتل في عدّة من الأخبار إلى الخمر أيضاً إشارة إلى ذلك . وعلى هذا فيكون الجعل المنفيّ فيما تقدّم عبارة عن الجعل التكويني على معنى خلوّه عن الدواء والشفاء بالمرّة . الثالث : أن تكون الأخبار مسوقة لبيان عدم حصول الاضطرار للمسلم إلى التداوي به قطّ ، لعدم انحصار طريق العلاج فيه بل له طريق آخر ولو نحو التوسّل بالدعاء فإنّه شفاء من كلّ داء ، كما يشير إليه خبر عليّ بن أسباط أو التربة الحسينيّة عليه السلام كما يظهر من أخبار الاستشفاء بها ، أو زوال المرض بنفسه بتفضّل من اللَّه فيمن تحرّز عن التداوي به خالصاً لوجهه ، ففيما تخيّل الإنسان اضطراره إليه بمظنّة انحصار الطريق فيه فهو وهم من الشيطان ، فإذا يئس ذهب فحصل البرء تفضّلًا من اللَّه ، كما يشير إليه خبر ابن أبي يعفور . وفي خبر سيف بن عميرة أيضاً إشارة إلى عدم اتّفاق الاضطرار بعدم اتّفاق الانحصار قطعاً ، فيكون الجعل المنفيّ في التعليل المتقدّم الجعل التكليفي أيضاً . والوجوه الثلاث وإن كانت مشتركة في منع التداوي وتحريمه إلّا أنّ الأوجه منها الوجه الأخير ، فالقول بجواز التداوي وإن كان قويّاً ولكنّ الأقوى هو المنع مطلقاً . لا يقال : قضيّة ذلك عدم جواز الاكتحال به أيضاً فكيف يذهب الأكثر إلى الجواز وقد رجّحته أيضاً ، لأنّا نعالجه بتخصيص القاعدة المستنبطة من أخبار الباب في منع
--> ( 1 ) البقرة : 219 .